‘‘لا يخلو جسد من حسد .. فالكريم يخفيه واللئيم يبديه ..’’
ابن تيمية ..
كنتُ مستلقياً على السرير حين تذكرتُ هذه المقولة .. الحقيقة أعترف أنها خطرتْ حينَما تأملتُ بعضَ ردود أفعالي في كذا موقف .. حينها قلتُ فعلاً الحسد مشكلة .. الله يوفق أولئك وييسر أمرهم ..
*
لا مشكلة في ظنّي .. أتصور أن شيخ الإسلام يعترف ضمنياً أنه يجد في نفسه حسداً .. وكأنه يقول أيضاً / أنا كريمٌ لذا أخفيه ..!
وأظن .. وليس كل الظن إثم .. أن الحسد .. أو لنقل الغبطة ، هي من أقوى الدوافع نحو الكمالات .. محركٌ قويٌ يدفعُ من أحسن استغلاله نحو الأمام ..
أتصور أنه طاقة هائلة .. أشبهه بنار .. من استطاع أن يتعامل معها جيداً فسيستخدمها وقوداً يحرّكه نحو الأمام .. مثل تلك القطارات البخارية التي تعمل بالفحم << - يمكن بعضكم شافها في أفلام كرتون أو أفلام القناة الثانية مبطي .. - لكن هذه النار ستحرق الجوفَ إن لم تجد توجيهاً سليماً ..
والنار يأكلُ بعضها بعضاً .. إن لم تجد ما تأكله ..
أعترف أنني كنتُ سأعودُ قليلاً .. وأقول أنني أعتقدُ أن ابن تيمية ، -وكلامه ليسَ وحياً منزلاً- قد بالغَ قليلاً .. فهناكَ القليل من أصحاب القلوب الطيبة ممن لا هم لهم في الناس .. لكن وجدتُ فعلاً أن الحسد بين الناس كثير .. ربما لأنني نظرتُ للأعلى في البداية ، -وأحمد الله على هذا- ، وجدته كثيراً حين خفضتُ بصري للأسفل ، فوجدتُ العيون مسلطة ، والقلوب تتهارش ، هذا يهمسُ بالغيرة ، وذاكَ يجهرُ بالحسد .. فأيقنت أكثر وأكثر أن المقولة تكادُ تكونُ من المسلّمات .. وإن كانتْ تتضح أكثر في ما تميل إليه نفوسُ أكثر الناس .. مما لا يحتاجُ إلى كبير جهد .. أما تلك المطالب العليّة .. فأكثر الناس قد سبت عنها أبصارَهم لمبات النيون ومصابيح الغاز ..
إنّك لن تستطيع رؤية جمال النجوم في السماء ، حينما تكونُ في وسطِ الأنوار الساطعة وبين مصابيحِ الكهرباء .. ستبهرُك هذه الأنوار ، وستشد انتباهك .. بل أكثر من ذلك للأسف ، أنها ستمحو بهاء تلك النجوم من عينيك .. فيكون جلّ همكَ مصابيح الغاز التي بينَ يديكَ .. وستدرِكُ حين ينطفئ الكهرباء ، كم كنتَ مخطئاً حين استبدلتَ الذي هو أدنى بالذي هو خير ..
المقصد أنّ كل انسان لديه مطالبٌ ، لا شكّ أن سيقعُ في نفسهِ شيء ، إن وجدَ غيره حصل على بعض تلك المطالب ، ولمّا يحصل عليها بعد .. وهذا أمرٌ طبيعي .. وعليه حينها أن يستفيد من هذه النار الوقود وتلك الحرارة في النفس ، لتجعله يقفز للأمام خطوات نحو ما أراد .. واحذر أن تلعب بالنار ، كي لا تحرقَ أصابعكْ ..
حقيقةٌ تخفى عنّا .. أغلبُ تلكَ الأشياء التي نتمناها ، نستطيع أن نحصل عليها حتى ولو سبقنا غيرنا .. فالخيرُ واجد ..! لذا بإمكانك أن تتمنى مثل نال غيرك لا ذاته.. الله سبحانه يقول / [ ولا تتمنوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض ] .. والحقيقة التي أجدها .. أن للسبقِ لذّة .. لكن العوض ولا القطيعة .. وكما للسبق لذة .. فللنيل بعد التمنع لذّات ..
( :
الأمر الآخر ، احرص أن تشغل بالكَ بتلك الأشياء الجميلة .. طبعاً لن يراها جميلة إلا أصحاب النفوس الجميلة .. فالطيورُ على أشكالها تقع ،
النجومُ جميلة .. ابتعد عن الزحام قليلاً لتراها .. وكلما ابتعدتَ أكثر ؛ ستراها أجمل .. أقسمُ أنك ستعشقها .. وسيظل هاجسك الاقتراب منها .. وربما السفر إليها لتعيشَ بقية حياتك ..
والحقيقة ، بعد اعتراف ابن تيمية .. لا أجد غضاضةً أن أعترف لكم أن في نفسي شيئاً من حسد ..!
زياد ،
الرياض ، متربعًا على السرير ..
مساء الخميس 11، ربيع الثاني ، 1429 هـ - [17/4/08 ]